ابن عجيبة

232

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فلفّته في خرقة ، ووضعته في تنور مسجور ، ولم تعلم ما تصنع ؛ لما طاش من عقلها ، فطلبوا فلم يجدوا شيئا ، فخرجوا ، وهي لا تدرى مكانه ، فسمعت بكاءه من التنور ، فانطلقت إليه ، وقد جعل اللّه النار عليه بردا وسلاما . فلما ألح فرعون في طلب الولدان ، أوحى اللّه إليها بإلقائه في اليمّ ، فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر . روى أنها لفته في ثيابه ، وجعلت له تابوتا من خشب ، وقيل : من بردى ، وسدت عليه بقفل ، وأسلمته ؛ ثقة بالله وانتظارا لوعده سبحانه . قال ابن مخلص : ألقته في البحر بالغداة ، فرده إليها قبل الظهر . حكى أن فرعون كانت له بنت برصاء ، أعيت الأطباء ، فقال الأطباء والسحرة : لا تبرأ إلا من قبل البحر ، يؤخذ منه شبه الإنسان ، فيؤخذ من ريقه وتلطخ به برصها ، فتبرأ ، فقعد فرعون على شفير النيل ، ومعه آسية امرأته ، فإذا بالتابوت يلعب به الموج ، فأخذ له ، ففتحوه ، فلم يطيقوا ، فدنت آسية ، فرأت في وجه التابوت نورا لم يره غيرها ، للذي أراد اللّه أن يكرمها ، ففتحه ، فإذا الصبى بين عينيه نور ، وقد جعل اللّه رزقه في إبهامه ، يمصه لبنا ، فأحبته آسية وفرعون ، فلطخت بنت فرعون برصها فبرئت ، فقبّلته وضمته إلى صدرها . فقال بعض القواد من قوم فرعون : نظن هذا المولود الذي نحذر منه ، فهمّ فرعون بقتله - واللّه غالب على أمره - فقالت : آسية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . . الآية « 1 » . وهذا معنى قوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ؛ أخذه . قال الزجّاج : وكان فرعون من أهل فارس ، من إصطخر . والالتقاط : وجدان الشيء من غير طلب ولا إرادة ، ومنه : اللّقطة ، لما وجد ضالا . وقوله : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أي : ليصير الأمر إلى ذلك ، لا أنهم أخذوه لهذا ، فاللام للصيرورة ؛ كقولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب . وقال صاحب الكشاف : هي لام « كي » التي معناها التعليل ، كقولك : جئت لتكرمنى . ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز ؛ لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له ، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله . ه . وتسمى بالاستعارة التبعية . وفي « الحزن » لغتان ؛ الفتح والضم ، كالعدم والعدم . إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ، أي : مذنبين ، فعاقبهم اللّه تعالى بأن ربّى عدوهم ، ومن هو سبب هلاكهم على يديهم . أو : كانوا خاطئين في كل شئ ، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم . وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ ، لمّا هم فرعون بقتله - لقول القواد : هو الذي نحذر : هو قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ، فقال فرعون : لك ، لا لي . قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو قال مثل ما قالت لهداه اللّه مثل ما هداها » « 2 » ، وهذا على سبيل الفرض ، أي : لو كان غير مطبوع عليه الكفر لقال مثل قولها . ثم قالت : لا تَقْتُلُوهُ ، خاطبته خطاب الملوك ، أو خاطبت

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري ( 20 / 32 ) والبغوي ( 6 / 192 ) . ( 2 ) عزاه المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 897 ) للنسائي - في الكبرى في التفسير - من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنه .